روحانية العمل المؤسساتي في الكنيسة المارونية

المجتمع الذي تدافع عنه الكنيسة المارونيّة وتريد بناءه، هو مجتمع تكون مؤسّساته والعلاقات فيه منظّمة وفاعلة في خدمة الإنسان؛ مجتمع يتألّف من أشخاص أحرار ومتساوين ومسؤولين. كلّ ذلك لكي تبقى وفيّة للمبادىء التي عاشتها ثوابت في تعاطيها مع القضايا التي واجهتها عبر تاريخها؛ خاصّة أنّ هذه الثوابت تتلاءم مع المبادئ الأساسيّة في تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، وأهمّها:


1. التضامن

وهذا التضامن، كما يقول يوحنّا بولس الثاني: "ليس شعورًا بتعاطف مبهم، أو بتحنّن سطحيّ إزاء الشرور التي يعاني منها أشخاص عديدون، قريبون أو بعيدون. بل إنّه العزم الثابت والدائم على العمل من أجل الخير العام، أيّ من أجل خير الكلّ وكلّ فرد، لأنّنا جميعنا مسؤولون حقًّا عن الجميع"[1].

والكنيسة المارونيّة عاشت مبدأ التضامن هذا عبر تاريخها، عندما كان المسيحيّون يمارسون نظام "العونة" في ما بينهم، وفي تأمين حاجات معيشتهم. كما أنّها لا تزال تشدّد عليه في مختلف الوثائق التي تصدرها[2]، وتمارسه من خلال مؤسّساتها الكنسيّة العديدة، والتي تطلب إليها مضاعفة جهودها باستمرار.


2. العدالة

العدالة لا تعني أنّ كلّ البشر متساوون في كلّ شيء، أو يجب أن يكونوا على هذا النحو؛ فاللّه خلق الناس متنوّعين، والطبيعة قائمة على هذا التنوّع إذ "يستحيل، في المجتمع المدنيّ، أن يرتفع كلّ الناس إلى مستوى واحد"[3].

العدالة تعني، بالحريّ، أنّ جميع البشر، بالرغم من كلّ تمايزاتهم، هم متساوون في بنوّتهم للّه وفي كرامتهم الإنسانيّة، وفي تمتّعهم بالحقوق البشريّة الأساسيّة. وهذه "العدالة الطبيعيّة" هي من صنع اللّه، ولا يحقّ لأيّ كان، فردًا أو جماعة أو دولة، أن يتخطّاها أو يعمل بنقيضها.بالعكس، واجب الفرد والدولة ووظيفتهما أن يعملا على احترام هذه العدالة وتحقيقها، فتصبح "عدالة اجتماعيّة" لجميع النّاس، هدفها تخفيف الفوارق بين الأفراد والقطاعات والمجتمعات والشعوب، وتوفير تكافؤ الفرص للجميع على جميع المستويات.

والكنيسة المارونيّة تتبنّى هذين المفهومين للعدالة الطبيعيّة والعدالة الاجتماعيّة؛ ولا تنفكّ تدعو الأفراد والمؤسّسات، الكنسيّة منها والمدنيّة، والدولة، للعمل على تحقيق هذه العدالة للجميع، خاصّة الفقراء والمحتاجين والمعوزين الذين لهم الأفضليّة في رسالة الكنيسة.


3. الترقّي

والعدالة لا تكتمل إلاّ بترافقها مع ترقّي الإنسان. والترقّي، مفهوم مسيحيّ، يرتكز على النموّ الاقتصاديّ والإنماء الاجتماعيّ ليتخطّاهما إلى ما هو أرفع وأسمى للإنسان، إذ يقوده نحو كمال الله.

والكنيسة المارونيّة، عبر تاريخها، كانت رائدة في مجال إنماء مجتمعها وترقّيه. فهي التي عمدت إلى نشر التعليم، خاصّة منذ إنشاء المدرسة المارونيّة في روما عام 1584؛ وهي التي أقرّت، إبّان المجمع اللبنانيّ الذي انعقد العام 1736، التعليم الإلزاميّ والمجانيّ لجميع الأولاد الموارنة، حتى الفتيات منهم، وأجبرت كلّ رعية وكلّ دير على أن ينشئ مدرسته الخاصّة.

وهي التي، من خلال نظام الشراكة، عمّمت الأعمال الزراعيّة، ونمّت الأراضي الوعرة في الجبل اللبنانيّ. وقد كان الرّهبان، خاصّة، يعملون قبل الشعب ومعه في الزراعة، وتربية المواشي، وصناعة الحرير… كما مارسوا الحِرَف على أنواعها، وعلّموها عامّة الناس، من طباعة، وحياكة، ونجارة، وصناعة فخّار، وبناء، وحدادة، الخ…

والدير في مفهوم الموارنة ليس مكان صلاة وحسب، بل مركز عبادة وعمل ومدارس للتعليم، ومنطلق رسالة حضاريّة. لقد كانت الأديرة نواة لتجمّعات اقتصاديّة واجتماعيّة هامّة، يعيش فيها "الشركاء" في مزارع صغيرة تحوّلت، مع الوقت، إلى قرى كبيرة ومزدهرة. ولم يغِب كاهن الرعية عن هذه الرسالة فكانت معه مدرسة تحت السنديانة.