انطونيوس بطرس خريش

السيرة الذاتية

«البطريرك (أنطونيوس بطرس) خريش أكمل مهام كل البطاركة ولعب أدوارهم. وكان له من المواقف الأساسية آراء خاصة به هي انقلابية قياسًا بما درج على الاعتقاد به البطاركة» (د. بطرس لبكي، الشراع في 29/8/1994).

1-مقدمة:
يقول عالم الاجتماع الدكتور بطرس لبكي إن «البطريرك خريش كان أهم البطاركة الذين عملوا على توحيد الطائفة». مشبّهًا دوره بدور البطريرك دانيال الشاماتي الذي جمع زعماء البلاد «ليوقّعوا على كلمتهم وتوطيد الأمن». تجرّأ على وُلوج جبهة قلّما تجرّأ غيره من البطاركة على وُلوجها، وهي «جبهة الموازنة في مواقف بعض زعماء الطائفة السياسيين». إلاّ أن حدّة الانقسامات بين أبناء الطائفة والخلافات الدموية وسيف الحرب ظل هو الأقوى. «كانت أصوات المدافع أقوى منه فظلمت دوره كما ظلمت دور الرئيس الياس سركيس» كما تقول هيام القصّيفي (النهار في 3/10/2007) مُعزيَةً هذا الظلم إلى أن الموارنة خذلوا بطريركهم ذا الشخصية الوديعة التي لم تستطِع أن تجبه عمالقة الحرب والسياسة، بعد محاولته القيام بدور الحكم. الأمر الذي حمل بعض الغلاة إلى القول: «ما كان يجب أن يُولّى ابن جبل عامل في جبل لبنان».
هل جاء البطريرك خريش، بطريرك الحوار والديمقراطية، وأستاذ الفلسفة والقانون، والمتشبّع بروح المجمع الفاتيكاني الثاني في غير زمانه ومكانه؟ قد يكون هذا السؤال أحد أسئلة عديدة، في مقاربة هذه الشخصية الروحية والوطنية والفكرية التي كان لها مواقف أساسية وآراء انقلابية، وإن بدا بعضها اليوم مألوفًا وعاديًا في مواقف خليفته البطريرك مار نصرالله صفير ومجلس الأساقفة الموارنة والمجالس الكنسية المشتركة الأخرى.

2-  الثاني من جنوب لبنان:
قد يكون الخامس لا الثاني من جنوب لبنان إذا عدنا إلى سلسلات غير رسمية لأسماء البطاركة الموارنة. يعود هذا الاختلاف في الروايات إلى الحقبة الغامضة من تاريخ الكنيسة المارونية بين 685 و1120 (ورد في تاريخ الكنيسة الإنطاكية السريانية المارونية للأب مخايل الشبابي - المجلد 2 القسم الأول – بعبدا لبنان 1904 في الصفحة 117 والحاشية 1، أسماء لأربعين من البطاركة لم ترد في مدونات البطريرك الدويهي من بينها ثلاثة من جنوب لبنان هم: مرقص وأتناسيوس من صور وحزقيال من درب الصين (السيم)، بالإضافة إلى ستة آخرين من فلسطين هم: أتناسيوس من عكا، بولس من حيفا إبراهيم من الناصرة، يواكيم وزكريا من القدس الشريف).
 ما أن توفي البطريرك الكاردينال بولس المعوشي الجزيني  في كانون الثاني من العام 1975 حتى راح الرأي العام، والأوساط كافة، يتساءلون مَن يكون البطريرك الجديد، ومن هو بين الأساقفة الموارنة الأكثر أهلية للقيادة الروحية في مثل تلك الظروف المصيرية التي شهدتها بداية الحرب في لبنان؟
بعضهم رأى أنّه لا بدّ، بعد المجمع الفاتيكاني الثاني والمقررات الإصلاحية التي خرج بها، من مجيء بطريرك قادر يضطلع  بدور الحَكَم، مُنفتح وقدّيس خصوصًا، وبوسعه أن يضع تلك الإصلاحات موضع التنفيذ، بما فيها روح الانفتاح، والمشاركة، والحوار المسكوني، وما بين الأديان، والعدالة الاجتماعية وسواها من القضايا الملحّة.
كان على البطريرك الجديد أن يواجه هيكليّات وعقليّات وتقاليد ليس من السهل التعامل معها، في ظل نظام طائفي، ووجود قوى مسلّحة تهدّد الأمن الأهلي، وكيان الدولة، وصيغة العيش المشترك.
بعضهم تصوّر البطريرك الجديد على مثال البطاركة الأوّلين، قائدًا يجمع بين يدَيه السلطات كلها، أو رئيسًا للبلاد على مثال الرئيس القبرصي المطران مكاريوس. هذا الموضوع طُرح جدّيًا على بساط البحث كما يؤكّده القانوني وجدي ملاّط عندما اقترح أن يتولى البطريرك رئاسة الجمهورية لمدة انتقالية، ظنًّا أنه لو يقبل بذلك لوفّر الكثير من المآسي التي وقعت فيما بعد  على لبنان واللبنانيين منذ مطلع الأحداث. لكن هذا الاقتراح كان وسيظل لدى بطاركة العصر الحديث من المستحيلات، نظرًا  لتعارضه مع مبدأ فصل الدين عن السياسة وعدم المزج بين وظيفة رجل الدين مع وظيفة رجل السياسة.
في هذا الاتجاه كان هناك من يرى أن على البطريرك الماروني ألاّ ينغمس في أي شكل من أشكال الصراع، ليبقى الحكَم والأب للجميع. من هنا  فإن طبيعة البطريرك خريش المسالمة ورؤيته الكنسية في ضوء المجمع المسكوني الذي شارك في أعماله مشاركة فاعلة، بالإضافة إلى رؤيته  في ما يتعلق برسالة لبنان في محيطه العربي والإسلامي، كل ذلك لم يكن إلاّ ليحمله على أن يكون الأب الروحي للجميع، التزامًا بتراث وعقيدة ثابتة في تاريخ المارونية ومتأصلّة في إنجيل التطويبات. أثبتت الأيام متانة هذه الرؤية، من خلال مواقفه الحكيمة، غير الآبهة أحيانًا بالتهديد الذي كاد يؤدّي به إلى الاستشهاد. مواقف تدحض ما نُسب إليه ظلمًا من عجز وضعف بمقاييس القوة البشرية، مبرهنة في محطات عديدة، من حياته، شابًا وكاهنًا ثم بطريركًا،  عن شجاعة نادرة في مواجهة الموت دفاعًا عما يعتبره واجبًا وحقًا:
- ففي عين ابل، عام 1920، نجا من الموت في فاجعة أليمة أودت بحياة 92 شخصًا من أهل قريته، معظمهم من الأطفال والنساء والشيوخ، وعاش ألم التهجير مدّة ثلاثة أشهر في القرى الفلسطينية المحاذية للحدود اللبنانية بين أيار ,آب من العام  1920.
- وقبل عام 1948، حين كان خور-أسقفا وقاضيًا في المحكمة الكنسية المارونية في حيفا تعرّض للموت أكثر من مرّة، دفاعًا عمّا يعتقده صوابًا في أحكامه القانونية بوجه متقاضين يحتكمون إلى القوة.
- وفي عام 1949 أصيب بعدد من الطلقات في جسده، بينما كان برفقة مطران الأبرشية آنذاك، بولس المعوشي، في مزرعة البطيشية التابعة لأوقاف مطرانية صور المارونية على الحدود اللبنانية الجنوبية.
- وفي بداية الأحداث اللبنانية، وبعد أن أصبح بطريركًا على الكنيسة المارونية، هدّده بالقتل أحد المسلّحين الموارنة على درج الصرح البطريركي في بكركي بعدما أبى الموافقة على المشاركة في تمويل مشروع لم يكن موافقًا عليه، له علاقة بالحرب والسلم. وهي حادثة معروفة يرويها أهل الصرح البطريركي ممَّن هم أحياء يرزقون.
- تحمّل بصبر عميق ألم فقدان ابن شقيقه المونسنيور ألبير خريش، أستاذ مادة القانون الدولي في الجامعة اللبنانية والقاضي الكنسي في المحكمة الكنسية المارونية، والمرشد الروحي في المدرسة الإكليريكية البطريركية في غزير: «كان شهيد حرية التعبير وشهيد الكنيسة». استشهد على شكل مأساوي، بعد أن كان ينادي بضرورة التجاوب مع دعوة قداسة البابا يوحنا بولس الثاني منذ عام 1984 إلى الشباب اللبناني، من أجل التخلّي عن السلاح والانصراف إلى بناء الذات والوطن.
في سياق هذا السرد عن مواقف البطريرك خريش المتّسمة بالشجاعة وتحمّل الآلام، لا بدّ من وقفة متأملة وعميقة - لا يتسع لها هذا البحث - على معنى استقالته النموذجية من المهام البطريركية، بعد بلوغه السنّ القانونية، احترامًا منه لقانون شارك في وضعه، ووفاءً لوعد كان قد قطعه على نفسه بأن يحترم القانون، متضرّعًا لربّه «ألاّ يميته إلاّ على القانون». لقد ترك للأجيال بهذا الموقف النادر والشجاع في تاريخ المارونية عبرة يرجى أن لا تذهب سدى في السلوكيتين الكنسية والوطنية.
على الرغم من كل ذلك وُجد من يشوّه هذه الصورة الصافية. كان همّه في كل حياته، وبخاصة أثناء ولايته البطريركية، أن يرضي الله وضميره قبل كل شيء. يقول: «همي أن أُرضي ضميري، وأن أقوم بما هو خير لشعبي وبلادي، وسيفهمون في المستقبل» إن لم يفهموا في الحاضر (من كلمة للمطران رولان أبو جوده، في كنيسة القلب الأقدس – بدارو، في 20/9/1994).
من أين أبدأ في بحثي هذا عن شخصية لها في قلبي احترام كبير ومعزّة خاصة. هل أتحدّث بلغة القلب، وهو القريب والنسيب؟ أم بلهجة العقل والموضوعية؟ ولا فضل لي في ذلك مهما توسَّلت.
إن سيرة البطريرك خريش لم تكتب بعد، وهي تنتظر من يضعها بالأسلوب التاريخي الملائم. حسبي في هذا البحث العاجل أن أتوقّف على بعض مراحل سيرته، مبيّنًا فيها مواقفه ومبادئه، وللتاريخ بعد ذلك أن يتابع ويحكم...

3- من عين إبل إلى روما:
‌أ- من عين إبل:
تبدأ المحطة الأولى في سيرة البطريرك الكاردينال مار أنطونيوس بطرس خريش من تاريخ ولادته في 30 أيلول 1907 في عين إبل إلى تاريخ سفره إلى روما في أواخر العام 1920. تلقّى أنطونيوس أيّوب خريش دروسه في مدرسة القديس يوسف في مسقط رأسه، ونشأ في كنف ولدين فاضلين مكافحين. تيسّر له، على غرار بعض أبناء بلدته، أن ينعم بجانب من أسباب الانفتاح على التعليم بفضل إقامة الآباء اليسوعيين وراهبات القلبين الأقدسين في عين إبل وإنشائهم فيها مدرسة منذ عام 1866، مُوفّرةً مستوى مناسبًا للأجيال الصاعدة. أتاح التحصيل الدراسي لبعض الفتية أن يطمحوا إلى مراكز في سلك الكهنوت أو القضاء والتعليم. وكان من بينهم أنطونيوس الذي كان يتطلَّع  في بداية طموحه إلى أن يكون طبيبًا فلم يجد صعوبة في تحوّل مساره من رسالة الطب إلى رسالة الكهنوت لما بينهما من قواسم مشتركة في قيم التضحية وبذل الذات. فالعلاقة الودّية التي كانت تجمع ما بين راعي الأبرشية، المطران شكرالله الخوري وجمعية الآباء المرسلين اللبنانيين، من جهة، وآل خريش من جهة أخرى، آلت إلى أن يقضي الفتى أنطونيوس فترة وجيزة في معهد الرسل في جونيه قبل أن يلتحق بالمدرسة المارونية الرومانية التي كانت قد عادت إلى فتح أبوابها أمام الشباب الماروني، متابعة لتقليد عريق يمتد إلى سنة 1584. تشاء الصدف أن يكون أنطونيوس التلميذ العين إبلي الثاني في هذه المدرسة التاريخية، بعد أن كان سبقه إليها أحد أبناء عين إبل وأقربائه الخوري عبد المسيح الياس الطويل، الحدثي الأصل، الذي كان أوّل كاهن عليها بوضع يد المطران، والبطريرك لاحقًًا، يوسف العاقوري عام 1630.
من عين إبل أستقى أنطونيوس «الطيبة الذكية»، كما قال عنه الشاعر سعيد عقل بعد أيام من توليه السدة البطريركية في شباط 1975، ومحبة الناس، والشغف بالمعرفة والاطلاع، والنمط البسيط في الحياة، والتقوى، وتلك الأصالة المعبّر عنها في التمسّك بالتقاليد مهما تعصرنت الحياة. حافظ أنطونيوس، في جميع محطات سيرته، على لهجته العين إبلية، المتوارثة والمطبوعة بالعيش المشترك في بيئة تعدّدية، منذ عهد الأمير فخر الدين المعني الثاني، والمتميّزة باستعمال «حرف القاف». كان غبطته يعتبر أن الحفاظ على هذا اللهجة هو دليل أصالة، وليس ما يوجب التخلّي عنها.
ب- في روما:
دخل الطالب أنطونيوس خريش جامعة نشر الأيمان وهو في الثالثة عشرة من عمره. لم يكن قد أكمل بعد المرحلة التعليمية التكميلية على يد الخوري يوسف فرح كاهن رعية عين إبل، خريج الجامعة اليسوعية، ملمًّا بالعربية والفرنسية والسريانية. اضطرّ أن يعمل كثيرًا لكي يضاهي الطلاب القادمين من بلدان أخرى، ومن يكبرونه سنًا. فنال الدكتورة في الفلسفة وهو لم يتجاوز السابعة عشرة، مثيرًا بذلك إعجاب أساتذته ورفاقه في الجامعة. كتب المطران شكرالله الخوري في 13/10/1925 إلى البطريرك الياس الحويّك رسالة يستأذن فيها للشمّاس الدكتور أنطونيوس أن يأتي لقضاء فترة راحة في بلدته: «إن ولد غبطتكم أنطونيوس خريش العين إبلي، تلميذ هذه الأبرشية في مدرستنا المارونية قد أُذِن له هذه السنة أن يأتي إلى بلدته ليمضي فيها أيام العطلة المدرسية. والولد المذكور ربما كان أحسن تلامذة مدرستنا بالنظر لحسن سلوكه ونجاحه في المدرسة».

4-العودة إلى لبنان وبدء الرسالة الكهنوتية
لأسباب صحية، اضطرّ أن يبقى في لبنان. فتابع العلاج في مستشفى أوتيل ديو حيث تأثر كثيرًا بروح التضحية التي كانت تبذلها الراهبات في خدمة المرضى، ما زاده إيمانًا بمتابعة دروسه اللاهوتية في المعهد الشرقي للاهوت، حيث أمضى ثلاث سنوات لينال في نهايتها الإجازة على يد الآباء اليسوعيين، وقبل أن يرقّيه المطران شكرالله الخوري إلى الدرجة الكهنوتية في 12 نيسان 1930 في كاتدرائية صور. اتخذ له شعارًا لذلك اليوم آية من سفر الأخبار الأول من الكتاب المقدّس: «من أنا يا ربّ وما بيتي حتى بلغت بي إلى ها هنا». آية طبعت على ظهر صورة تمثل وجه المسيح المتألّم مدركًا أن سرّ الألم هو جوهر الرسالة المسيحية، وعليه بالتالي أن يتقبّله بالروح عينها من القدرة على الصبر والتحمّل، والمشاركة في عمل الفداء.

5- بين جنوب لبنان وبيروت وفلسطين:
بعد سيامته الكهنوتية قام الخوري أنطونيوس بمهمة التعليم في مدرسة مشموشة أولاً  ثم في مدرسة الحكمة في بيروت. كان أستاذًا محبوبًا من طلابه وناجحًا في تدريس مادَتيَ اللغة الفرنسية والفلسفة العامة، ثم  مادة اللاهوت التي كان يلقي دروسًا فيها على طلاب معهد اللاهوت في مؤسسة الحكمة التابعة لأبرشية بيروت المارونية. على يده تخرّج رعيل من المفكرين والمحامين ورجال الدين. تربطه في كل ذلك علاقة ودّية مع سيادة المطران اغناطيوس مبارك، على الرغم مما كان يباعد بين الشخصيتين من مزاج وتباين في النظرة إلى الوطن والسياسة والقضايا القومية، مما لا مجال لذكره هنا.
بعد تولّي المطران بولس المعوشي مقاليد الكرسي الأسقفي الماروني في صور، طلب سيادته إلى الخوري خريش أن يلتحق بأبرشيته بصفة أمين سر ونائب أسقفي. في صيف 1935 توجّه المطران مبارك إلى بلدة عين إبل حيث كان المعوشي يقضي بعض الوقت في زيارة رعائية طالبًا إليه أن يأذن للخوري خريش بمتابعة السنة الدراسية في مدرسة الحكمة لأنه محبوب من تلامذته ولا يمكن للمدرسة أن تستغني عنه في تدريس الفلسفة واللاهوت. أذِنَ المطران المعوشي بأن يتابع خريش التدريس لسنة واحدة فقط، وفي السنة التالية كلّفه بأن يقوم بمهام أمانة سرّ مطرانية صور ثم بخدمة رعية حيفا المارونية في فلسطين، حيث كانت هذه الرعية تنمو نموًًا لافتًا جرّاء موجة النزوح السكاني إليها من الريف الفلسطيني واللبناني في جنوب لبنان، وبخاصة من منطقتيَ جزّين وعين إبل. لبّى الكاهن الخدمة في الرعية وأحسن إدارتها، وأسّس فيها الجمعيات الشبابية والنسائية والاجتماعية والخيرية، وجدّد مدرستها، ورأس فيها المحكمة الكنسية. نظّم سجلاّتها بطريقة عصرية تمكّنه من متابعة شؤون أبنائه والسهر عليها، كراع أمين «يعرف رعيته ورعيته تعرفه». فأحبّه أبناء الطائفة المارونية وأبناء سائر الطوائف المسيحية الأخرى بحيث اقترح أحد المحامين من أبناء الكنيسة الأرثوذكسية على رؤسائه بأن يكون الخوري والقاضي الكنسي الماروني أنطونيوس خريش قاضيًا كنسيًا لجميع المسيحيين في حيفا، من الكاثوليك والأرثوذكس. مع العلم أن مثل هذا الاقتراح السابق لعصره آنذاك لا يزال غير مقبول حتى اليوم على الرغم من التطوّر المحرز على صعيد الحوار المسكوني بين مختلف الكنائس.

6-صديق الفقراء واللاجئين ورجل العمران والعمل الاجتماعي:

على أثر نكبة فلسطين عام 1948 ونزوح مئات الألوف إلى لبنان عاد المونسنيور أنطونيوس خريش إلى القسم اللبناني من أبرشيته صور، كاهنًا وقاضيًا، ونائبًا لرئيس اللجنة البابوية لغوث اللاجئين الفلسطينيين، السفير البابوي المونسنيور مارينا. كانت ظروف اجتماعية وإنسانية أبدى فيها حسن التدبير والغيرة على المشرّدين والفقراء الذين التجأوا إلى منطقة صور في جنوب لبنان. تقديرًا لهذه الجهود عيّنه البابا بيوس الثاني عشر مطرانًا فخريًا على طرطوس في سوريا (بتاريخ 25/4/1950). بعد أشهر من ذلك جرى الاحتفال بسيامته الأسقفية في الديمان (15/10/1950) بوضع يد البطريرك  أنطون عريضة،  وعيّن على الأثر معاونًا للمطران اغوسطينوس البستاني في صيدا، ثم مدبّرًا رسوليًا، فأسقفًا أصيلاً على الأبرشية (25/11/1957).
 بين سنوات 1950 و1957، وهي فترة زمنية وقع في أثنائها زلزال أتى على أجزاء من مناطق الجنوب اللبناني والشوف والبقاع الغربي، ومعظمها واقع في نطاق أبرشية صيدا المارونية، كان على المطران الجديد أن يواجه وضعًا اجتماعيًا وعمرانيًا عسيرًا. فراح يعمل على إيجاد السبل لترميم عشرات الكنائس والمؤسسات الدينية والأوقاف، وعلى بناء مؤسسات أخرى جديدة. في موازاة اهتمامه بشؤون الحجر لم يهمل خصوصًا شؤون البشر. فبذل قصارى جهده لينقل المؤسسة الكنسية من إطارها التقليدي إلى إطار عصري كان فيه للتربية والتعليم والتنشئة المستديمة للكهنة، والضمان الاجتماعي للكهنة المسنّين والمرضى قسط لافت. فكان المطران خريش، من خلال هذا النهج الرعوي، من السبّاقين في خوض هذه الميادين الاجتماعية التي كانت الكنائس الغربية، والمجتمعات المعاصرة، توليه أهمية كبرى في برامجها وسياساتها.
خلال هذه الفترة الزمنية (1950-1957) شاءت العناية الإلهية أن يرافق المطران خريش رجلاً كبيرًا من رجال الكنيسة المارونية والوطن اللبناني، هو المطران اغوسطينوس البستاني. وقد عرف بنفوذه المعنوي والوطني، وبعلاقاته الطيّبة وتأثيره على القيادات، ومنها علاقاته الودّية المتينة مع الطائفة الدرزية الكريمة عمومًا وآل جنبلاط بخاصة، حتى لُقّب، جرّاء ذلك بـ«مطران الدروز». فأفاد المطران خريش من ذلك الاختبار الوطني والروحي الذي أقامه سلفه، فعقد بدوره، من خلال كرسي المطرانية الواقع على مسافة قريبة من القصر الجمهوري الصيفي في بيت الدين، أطيب العلاقات مع رؤساء الجمهورية والحكومات اللبنانية وقادة السياسة والرأي. كان ذلك ما ساهم في تأهيل المطران خريش للاضطلاع بدور على رأس الكنيسة المارونية عندما حانت الظروف. وما ضاعف ربما من عمق الاختبار لاحقًا، بدءًا من الحرب العربية الإسرائيلية عام 1967 الوعي بضرورة المواجهة الاجتماعية لذيول هذه الحرب على لبنان عمومًا والجنوب خصوصًا. مع انطلاقة «العمل الفدائي»، وما رافقه من وقوع جزء من جنوب لبنان تحت السيطرة الفلسطينية (فتح لاند) وتصاعد «حركة المحرومين» بقيادة الإمام موسى الصدر، الظاهرة الشيعية المميّزة، كان على مطران صيدا الماروني أن يحسن التكيّف مع الأوضاع المأساوية المستجدّة، حفاظًا على النسيج الوطني، وحماية للوجود المسيحي المهدّد على غير صعيد. لذلك عرف كيف يحافظ على خيوط العلاقة وتمتينها مع هذه التيارات، مجسّدًا إياها في مشاريع عملية، تعبيرًا عن حوار الحياة مع أبناء المنطقة المتمثل بالعيش الواحد والتعاطف في  القضايا المصيرية المشتركة. لقد استبق الظروف فأسس «كاريتاس لبنان الجنوبي» في صيف 1972، تحسّبًا للمعضلات الاجتماعية الناجمة عن الأوضاع المستجدّة، وإرساء لإطار من التعاون الفعلي مع الجنوبيين وفي ما بينهم في الملمات المنذرة بالوقوع. استبق من جهة أخرى الظروف بتأسيسه «هيئة نصرة الجنوب» بالتعاون مع الإمام موسى الصدر ورجال الدين المسلمين شيعة وسنّة ودروزًا، ويدًا بيد مع مطارنة الجنوب من كل الكنائس (في 13/5/1970)، إدراكًا من الجميع بأهمية الهدف الوطني لمثل هذا القرار، الذي سيعمل سيادته على تنميته لاحقًا في السدّة البطريركية، قاطعًا بذلك الطريق على كل من يريد صبغ الحرب بصبغة الطائفية، وصونًا لجوهر الصيغة اللبنانية القائمة على وحدة الحياة، في إطار الوطن الواحد الحاضن للجميع.

7-بطريرك الحوار والإصلاح الكنسي (1975- 1985):
عندما انتخب البطريرك خريش بالإجماع من قبل مجمع الأساقفة الموارنة في الصرح البطريركي في بكركي، قيل أنه انتخب بتدخُّل من الروح القدس، عبارة تقليدية ولكنها أخذت هذه المرة معنى تجاوز التقليد إلى الإيمان الفعلي بالنسبة لمن عايشوا الحدث. فثبَّت أن بعض الأحداث في التاريخ لا يوجّهه دائمًا المصنّفون أقوياء بمنطق البشر، بل الضعفاء الأقوياء بمنطق الله. لم يمضِ أكثر من شهرين على انتخابه (بين 3/2 و13/4/1975) حتى اندلعت الحرب في لبنان. فجاءت بياناته ومواعظه العديدة، بمثابة «مزامير سلام» ودعوة إلى الحوار والمصالحة مع الذات والقريب والله.
لم تكن اللغة التي كان يتقنها البطريرك الجديد، لتلقى الصدى الايجابي لدى السامعين. فكان من بين الموارنة من أعلن احتجاجه على انتخابه، قبل أن يعود عن كلامه معتذرًا: «ما كان يجب أن يولّى ابن عكا في جبل لبنان»، تلميحًا - ربما - إلى خدمة خريش في حيفا أو إلى تعاطفه المعروف مع الجانب العادل في القضية الفلسطينية... في وقت عصيب راحت فيه القوى الفلسطينية المسلّحة تهدّد السلم الأهلي والجمهورية اللبنانية. لم يكن منطق الحوار، الذي اختير البطريرك الجديد لأجله، هو الغالب في الأجواء اللبنانية التي أدّت إلى الحرب اللبنانية. كان مصممًا ألاّ تجرفه المواقف المتصلّبة، مهما تفاقمت ضدّه لغة التهديد والعنف. قال للذي حاول أن يطلق عليه الرصاص على درج بكركي: «أطلق إذا كنت تعتقد أن في موتي خلاصًا للبنان». يقول البطريرك في رسالة الصوم للعام 1976: «إن رسالتنا هي في هذه البقعة من الشرق رسالة المسيح المصلوب (...) رسالة الفداء الكبير والمحبة العظمى (يو 15/13) شهادة يصحبها تعب ومشقة واضطهاد (لوقا 21/12-13) وقد أدّينا هذه الشهادة بالأمس واليوم وسنؤدّيها غدًا مثلما أدّاها الآباء والأجداد»، في عين إبل وفي كل بقعة من لبنان والإطار الإنطاكي.
لا شك أن روحه المسالمة وتشبّعه بتعاليم المجمع الفاتيكاني الثاني الإصلاحية، وحبّه للعدالة والحقيقة، هي من الايجابيات التي لعبت دورًا بارزًا في وقوع اختيار مجمع المطارنة عليه ليكون على رأس الكنيسة المارونية. حسبنا أن نشير إلى أن ما قام به البطريرك خريش على صعيد وضع توصيات المجمع الفاتيكاني الثاني موضع التطبيق كان قد بدأت تظهر نتائجه، من خلال إطلاق عملية الحوار على جميع المستويات:
أ- على الصعيد الماروني:
كان اهتمامه مميزًا في شؤون التربية الكهنوتية، في المدرسة الإكليريكية في غزير، وفي كلية اللاهوت الحبرية في جامعة الروح القدس- الكسليك، والمشاريع الاجتماعية والإنسانية التي ساهم في تأسيسها وتنظيمها، منها ما شهدت انطلاقتها في عهده، ومنها ما ظهر في عهد خليفته غبطة ونيافة البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، مثل الإعداد للمجمع البطريركي الماروني وتأسيس الأبرشيات الجديدة في النطاق البطريركي وعالم الانتشار، «ومشروع اتحاد العائلات» الذي ظهر للنور لاحقًا من خلال ما يعرف بالصندوق الماروني والمشاريع الإسكانية والإنمائية المتصلة به. من الأمور اللافتة التي تصبّ في جوهر المسائل التي يعاني منها لبنان والتي تعني وحدة الكنيسة المارونية واستمرارها، كانت المساعي العديدة لتحقيق المصالحة المارونية الداخلية، ولا سيّما منها مسألة أهدن، التي بذل خريش كثيرًا من جهوده لنجاحها، إلاّ أن النازع الانقسامي ظلّ أقوى من إرادة الوحدة، كما ظلّ تحدّيًا مطروحًا على الضمير الماروني حتى الساعة.
ب- على الصعيد المسكوني والحوار المسيحي الإسلامي:
انطلقت في عهد البطريرك دينامية غير مسبوقة، فأصبحت لقاءات البطاركة والأساقفة الكاثوليك شبه منتظمة بعد أن كانت من الأمور النادرة في عهد البطريرك المعوشي الذي لم يكن يبدي شديد الحماس لتطبيق توصيات المجمع الفاتيكاني الثاني، باعتباره له  أنه يعني الكنائس الغربية أكثر مما يعني الكنائس الشرقية. إلى ذلك كانت بكركي مسرحًا بل مركزًا - كما هي اليوم أيضًا -  لقرارات جريئة في شأن الحوار المسيحي الإسلامي. تعددت اللقاءات الودية والاتصالات بين الثلاثي «خريش وخالد والصدر». وفَّرَ التلاقي بين البطريرك الماروني ومفتي الجمهورية ورئيس المجلس الشيعي (أو نائبه الإمام محمد مهدي شمس الدين) وشيخ عقل الدروز الكثير من الدمار والآلام على اللبنانيين. عمل خريش على ألاَّ يصدر بيان عن أحدهم، أو عن  المؤسسات التي يمثِّلها كل منهم، من دون تشاور في ما بينهم، وذلك لكي يأتي الإعلان- بقدر الإمكان- منسجمًا مع روح الوحدة والعيش المشترك، ولكي يقطعوا على أصحاب النظريات الطائفية أي استغلال لها. برهنت الأيام أن «وصايا الإمام» للشيخ محمد مهدي شمس الدين، يمكن أن تكون أيضًا وصايا بطريرك، نظرًا للروح السَّمحاء والرؤية الصافية التي انتهى إليها بعد نضوج إلى ما يختص بالوطن اللبناني. إن تراجع الإمام عن نظرية «الديمقراطية العددية»، و تراجع سلفه الإمام موسى الصدر عن شعاره «السلاح زينة الرجال»، وتراجع المفتي خالد عن شعار «الفلسطينيون جيش المسلمين»، كلُّها تؤكد على التآلف بين الرؤساء الروحيين حول رسالة رجل الدين في خدمة الوطن، بعيدًا عن الانغماس في مزج وظيفة السياسة بوظيفة الدين السامية. هذه النقلة لم تكن لتحصل، ربّما، في وعي رجل الدين اللبناني المسلم، إلى هذا الحدّ، لولا الصداقة وبالتالي التفاهم الودّي الذي كان يجمع بين رؤساء المقامات الروحية اللبنانية، والتي اضطلع فيها البطريرك خريش بدور أساسي، قبل أن تصبح جزءًا من التراث الوطني والروحي اللبناني. وهو الذي عرف عنه، بالإضافة إلى هذا الانفتاح، دعوته الصريحة إلى علمنة الدولة وتأييده للزواج المدني، الأمر الذي جعل شخصيته أكثر مقبوليةً من جهة الأحزاب والتيارات التقدمية واليسارية المناهضة لسلطة رجال الدين (أنتي كليريكال). فأقام إلى جانب الحوار المسيحي الإسلامي، حوارًا شبه موازٍ له هو الحوار المسيحي اليساري. حوار لم تعمل المؤسسة الكنسية فيما بعد على تشجيعه وتنميته.

8-أفكاره الروحية والاجتماعية:
للوقوف على أفكاره الروحية والاجتماعية، وخصوصًا على آرائه ومواقفه من الأحداث الأليمة التي انفجرت في الأشهر الأولى من ولايته، وما يزال لبنان يعاني منها حتى اليوم، لا بد من العودة إلى مجموعة العظات والرسائل والتصريحات التي قام بها خلال السنوات العشر من ولايته البطريركية. وهو عمل بحاجة إلى من يجمع شتات وثائقه وتحليلها ونشرها:
- في رسالته الأولى «أمثولات الأحداث»، التي صدرت في صوم 1976، يتوقّف على أسباب الحرب ومظاهرها المأساوية واللا أخلاقية، التي لا يمكن الخروج منها بحسب رأيه، إلاّ بالعودة إلى الله تعالى وإلى الحوار الأخوي الصادق بين الجميع.
- في رسالة الفصح حول «الأزمة اللبنانية»، من العام نفسه (17/4/1976)، والتي صدرت عنه وعن مجلس البطاركة والأساقفة، الذي أحيا دوره وفعّله، يحثّ فيها أبناءه المسيحيين على المثابرة في الإيمان وعلى تحمّل مسؤولياتهم، وعلى التجدّد، الذي من أولى شروطه تغيير الذهنيات.
- في 2/5/1976 يوجّه البطريرك رسالة أخرى، حول الأزمة اللبنانية، إلى رؤساء وأعضاء المجالس الأسقفية في العالم الكاثوليكي يطلعهم فيها على حقيقة ما يجري في لبنان من أحداث، مبيِّنًا فيها أن الحرب الدائرة في لبنان ليست حربًا أهلية ولا دينية، كما تصوّرها وسائل الإعلام. بل أن لبنان هو ضحية قوى سياسية عمياء. فيذكّر الأسرة الدولية بواجباتها في ما يخصّ الحفاظ على الدول الأعضاء وعلى شعوبها.
- ثم يعود في رسالة عيد الميلاد للعام نفسه، متوجِّهًا إلى ضمائر اللبنانيين، كي يعملوا على «بناء لبنان»، انطلاقًا من بناء الإنسان، وعلى أساس العدالة الاجتماعية والقيم الأخلاقية والسلام والحرية، مؤكدًا أن الدولة التي تقوم على أساس الدين والعرق لا تستطيع أن تتغلب على الويلات. الدولة العادلة توفّر لجميع مواطنيها تكافؤ الفرص وفي كل الميادين. هذه الشروط لا تتوفّر إلاّ في الدولة الديمقراطية. «من شأن هذا النظام أن يشرك جميع المواطنين في مسؤولية إدارة الدولة وتخطيط سياستها عن طريق انتخابات حرة، وأن يصون لهم كرامتهم فلا يفسح مجالاً ليسار يستبد بهم فيستعبدهم لدولة أو حزب، ولا ليمين يستغلّهم فيفقرهم ليكسب الأموال على حسابهم. وهذا النظام يتيح للمواطنين حل مشاكلهم بالحوار الهادئ والاقتناع ضمن إطار أحزاب سياسية معترف بها شرعًا».
- في 11/8/1976 يوجّه البطريرك نداءً آخر إلى أبنائه الموارنة، إكليروسًا وعلمانيين مقيمين ومغتربين، يعرض فيه ما يصحّ أن يكون برنامج بكركي للإصلاح والخروج من الأزمة الراهنة: برنامج يشمل تعزيز دور العلمانيين والخدمة الاجتماعية، بحيث تتضافر الجهود «في إطار هيئة منظمة لها قوانينها والمسؤولون عنها ووسائلها...» ويعترف بها رسميًا لمواجهة الحالة الراهنة. وقد أطلق عليها اسم «الهيئة المارونية للتخطيط والإنماء». غايتها أولاً «إيجاد الموارد لمساعدة منكوبي الأحداث، وفي طليعتهم المهجرون والمشوهون وعائلات الضحايا»، وثانيًا، «العمل باستمرار (...) على المساعدة لتوفير الأسباب الرامية إلى تطوير الكنيسة المارونية ورفع مستوى أبنائها الديني والاجتماعي والتربوي والثقافي وفقًا للميادين الإنجيلية السامية».
- في 16/2/1977 يوجه البطريرك خريش رسالة رعوية في مناسبة الصوم الكبير بعنوان: «خواطر في التربية الدينية والخُلقية والوطنية». يتساءل في مطلعها: «تُرى لو كان الدين أرسخ في القلوب، والأخلاق أثبت في النفوس، والوطنية أوطد في الأذهان، هل كان حدث ما حدث من منكرات شوّهت تلك البطولات، وأثارت اشمئزاز العقلاء واستغراب الأصدقاء؟». ثم يذكّر بواجبات العائلة في هذه التربية، استنادًا إلى تعاليم المجمع الفاتيكاني الثاني والوثائق الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة، كما يذكِّر بدور المدرسة، وبخاصة المدرسة الكاثوليكية وبدور الدولة التي من واجبها «مراعاة العدالة التوزيعية بحيث يتمكن الوالدون من أن يختاروا بحرية تامة لأولادهم المدرسة التي توافق ما يمليه عليهم ضميرهم...». فإلى التربية الدينية التي لا يجب إهمالها، على الدولة الاهتمام بالتربية الخلقية، بنور العقل والبديهيات التي يدركها الإنسان بالفطرة، وعلى أساس التقليد الحميد الذي هو جزء من التراث القومي. وهكذا يرسم البطريرك ما يصلح لأن يكون قواعد لبرنامج تربوي ديني ومدني معا للأجيال اللبنانية، يأخذ بالاعتبار الأسس المشتركة بين اللبنانيين لبناء وطن الإنسان والرسالة، حيث ينشأ المواطن والمؤمن واعيًا لمسؤولياته، متقيدًا بالأنظمة والقوانين. يمكن اعتبار هذه الرسالة نموذجًا من التعاليم الكنسية الموجَّهة لا إلى الموارنة وحسب بل إلى الضمير اللبناني والإنساني عامة. ربما كان الأسلوب الراقي الذي اتسمت به هذه الرسالة وسواها من رسائل البطريرك «القرشي» (والتعبير هو للرئيس سليمان فرنجية) هو ما حمل السيد هاني فحص أن يصف أسلوب البطريرك خريش في الكتابة بأنها «لغة عربية صافية مشتقة من لغة القرآن ونهج البلاغة (...) بالكلام البليغ يعيد الحق إلى نصابه (...) إنهم الروحيون الكبار يشحذهم الإيمان سيوفًا قاطعة فوق رقاب الظلمة والجبابرة مشكى ضيم للمظلومين، مصدر عزاء وأمل، بلسمًا للجراح وجبرًا للخواطر والكسور» (مجلة الرعية عدد 292، آب 1994، ص. 39-40).
- لم تنقطع الرسائل والنداءات المتلاحقة في العامين الأوَّلين من ولاية البطريرك خريش، وكأنها - كما قيل - «مزامير سلام» ونداءات إلى الضمائر المحلية والإقليمية والعالمية، وعلى كل المستويات، لوقف النزيف المستبد بجسم الوطن اللبناني وبأبنائه. فبعد الرسالة العميقة الأبعاد في التربية الدينية المشار إليها كان له رسالة أخرى لا تقل عمقًا وأهمية في معاني «التوبة» (الصوم الكبير 1978)، و«في حقوق الطفل» (الصوم الكبير 1979) و«قيمة الألم» (1984)... إلى نداءات مدوّية أطلقها في 25/3/1978 حيث يستصرخ ضمائر المسؤولين كيلا لا يقعوا في تجربة التقسيم، وفي 19/6/1978، حيث يوجّه نداء شديد اللهجة، مفعمًا بالحزن والألم، على أثر الصدامات التي وقعت بين المسيحيين في أهدن، في شمالي لبنان من أجل الوحدة بين المسيحيين والارتفاع فوق الجراح إلى المصالحة والغفران.
وفي 6 تموز 1978 يوجه نداءً إلى المسؤولين السوريين، على أثر قصف الجيش السوري بوحشية للعاصمة اللبنانية بيروت وبخاصة للأحياء ذات الغالبية السكانية المسيحية فيها، ونداء  في صيف عام 1983 إلى أبناء الطائفة الدرزية، إثر الانسحاب الإسرائيلي من منطقة الشوف، حيث يحذر من  أن مستقبل لبنان مهددٌ جرّاء القتال المميت بين الذين بنوا معًا هذا الجبل، داعيًا الأطراف إلى العودة لأحضان الشرعية والوطن الواحد الذي صنعه الأجداد معًا.
إذا كانت أفكار البطريرك خريش الروحية والاجتماعية قد تضمَّنتها أكثر ما تضمَّنتها رسائله العشر التي كانت تصدر في مناسبة الصوم الكبير وهي على التوالي:
- أمثولات الأحداث، 1976.
- خواطر في التربية الدينية والخلقية والوطنية، 1977.
- في التوبة، 1978.
- في حقوق الطفل، 1980.
- في واجب تثقيف الضمير، 1981.
- في ممارسة الأسرار الإلهية، 1982.
- في يوبيل الفداء، 1983.
- في الألم وقيمته الخلاصية، 1984.
- في وجوب العودة إلى الذات وإلى الله وإلى القريب، 1985.
فإن الخطب والكلمات العديدة التي ألقيت في مناسبات زيارته إلى الفاتيكان وفرنسا والولايات المتحدة تشكِّل أثارًا قيّمة تتجلى فيها رؤيته إلى دور لبنان ورسالته الحضارية في خدمة السَّلام لكل العالم، من خلال ما يقدِّمه من نموذج فريد في التعايش بين الجماعات المتعددة الأديان والثقافات، ما يملي على الضمير العالمي والأسرة الدولية الحفاظ على هذا الوطن.


9- مارونية الصليب والبساطة والانفتاح:
إن نظرته إلى السلام في لبنان والمنطقة عبّر عنها بما عرف عنه من روح الانفتاح والتسامح في اختبار، تميّز بالتواضع والألم والحوار، وعاشه في بيئته اللبنانية الجنوبية التعدّدية، وفي خدمته الكهنوتية في فلسطين. ولعلّ أعمق وأصدق ما عبّرت عنه رؤيته «النبوية» إلى الأحداث في لبنان والمنطقة هو ما جاء في التقرير الذي وضعه في مطلع الثمانينات الكاردينال أوكونور، رئيس أحبار نيويورك، الذي كان يعتبر نفسه صديقًا للبطريرك خريش والموارنة ولبنان، حيث قال إن مأساة لبنان لن تنتهي قبل أن تنتهي مأساة فلسطين. هذه الحقيقة التي ما زالت قائمة هي التي، ربّما، جعلت صورة البطريرك «القرشي»، مهمّشةً في كنائس جبل لبنان. وذلك لتعارض نظرتة في قضايا مسيحية ووطنية جوهرية مع نظرة أمراء الحرب اللبنانية، ولا سيّما بعض المسيحيين منهم.
إن استمرار سيطرة مثل هذه النظرة والواقع، يحول، بلا ريب حتى الآن، دون قراءة موضوعية ومنصفة لما قام به البطريرك أنطونيوس خريش في خدمته للبنان الرسالة، وهي خدمة تتواصل بشكل حكيم من خلال النهج الذي يتبعه خلفه البطريرك نصرالله صفير، حتى وإن بدا أن هذا النهج في بعض جوانبه المحليَّة يستعيد ما فقده خلال الولايتين الجنوبيتين السابقتين. لقد برهنت ولاية البطريركين الجنوبيين المعوشي وخريش وسواهم من البطاركة الجنوبيين المغمورين، أن المارونية، وإن ارتبطت جغرافيًا بجبل معيّن، هو جبل لبنان، إلاّ أنّها تبقى بما تحمله من روح الانفتاح على الشرق والغرب معًا، كنيسة الإنسان المتألم، تحمل قضاياه، كما تحمل قضية المصلوب دائمًا، أينما وأنّى كان، كما عبّر عن هذه الحقيقة خير تعبير الأبَوان ميشال حايك، ويواكيم مبارك: «لا مستقبل للمارونية ما لم تتحرّر من قيود العنف والبهرجة الفارغة».
في ضوء هذا الرأي، الذي أختم به هذا البحث، يمكن تقييم ولاية البطريرك خريش التي تميّزت بروح البساطة والحوار والدينامية الهادئة التي رأى فيها - بحق - أحد أصدقائنا المفكرين الموارنة أن «البطريرك خريش أكمل مهام كل البطاركة ولعب أدوارهم وكان له من المواقف الأساسية آراء خاصة به هي انقلابية قياسًا بما درج على الاعتقاد به البطاركة» (الشراع 29/8/1994).