عظة البطريرك الكردينال مار بشاره بطرس الراعي في تدشين كنيسة مار الياس - انطلياس

السبت ٠٤ شباط ٢٠١٧

image


 

  "أنا باب الخراف وراعيها الصالح" (يو 10: 7 و11)                                         

                                                   

1. لقد دخلنا من باب الكنيسة الرئيسي، هذه الكتلة الضخمة والمتراصّة من الخشب المعتَّق والبرونز، التي ترمز إلى المسيح الذي يقول لنا في إنجيل اليوم: "أنا باب الخراف" (يو10: 7). دخلنا إلى هذه الكنيسة المجمَّلة في أرضها وسقفها وأعمدتها وجوانبها، ومذبحها. إنّها تحفة فنّيّة رائعة الجمال تليق بأن تكون مسكن الله الحجري التي تعكس "مسكنه السماوي الذي لم تصنعه أيدي بشر" (2كور5: 1). في هذا البيت الحجري نقتات من الخبز النازل من السماء، وهو كلام الربّ وجسده ودمه، ونرتوي من ماء الحياة الذي هو نعمة الروح القدس، للحياة الجديدة، على ما يؤكّد ربّنا في الإنجيل: "مَن يدخل منّي يخلص. يدخل ويخرج ويجد مرعى" (يو10: 9).


2. يسعدنا أن نحتفل معكم بهذه اللّيتورجيا الإلهيّة، التي نكرّس فيها المذبح وكنيسة مار الياس الكبرى في انطلياس، بحلّتها الجديدة. فنهنِّئ رئيس الدَّير وخادم الرعيّة الأب جوزف بو رعد الأنطوني وجمهوره والمجلس الراعوي وجميع أبناء الرعيّة وبناتها. كما انّنا نهنِّئ سيادة أخينا المطران كميل زيدان راعي الأبرشيّة، وقدس الرئيس العام للرهبانيّة الأنطونيّة الأباتي داود الرعيدي ومجلس المدبِّرين وسائر أبناء الرهبانية الجليلة. نهنّئهم جميعًا على هذا الإنجاز، شاكرين المهندسين والفنّانين وكلّ الذين نفّذوا الأعمال. نسأل الله أن يكافئهم جميعًا بفيض من نعمه وبركاته.

 

3. ولمّا كنا نؤمن ونشهد لسرّ المسيح، ابن الله المتأنّس، الذي افتدانا بموته على الصليب، وأحيانا بقيامته من الموت، وفتح لنا باب السماء بصعوده، فإنّ هذا السّر يحتلّ مكان الوسط في هذه الكنيسة، ويجتذب أنظار المؤمنين والمؤمنات الداخلين إليها، على وقع صلاة المزمور: "فرحتُ بالقائلين لي إلى بيت الربّ ننطلق" (مز122: 1). إنّ عناصر محور إيماننا المسيحي مصوَّرة في مجسَّم واحد، جسّده مشكورًا، الفنّان رودي رحمه. فمن وسط النور السماوي تظهر النجمة الميلاديّة التي ترمز إلى تجسّد ابن الله في مذود بيت لحم. لكن هذا الإله ابن الآب إنّما صار إنسانًا لكي يفتدينا بصلبه. فإذا بالنجمة تصبح إكليل شوك مع مسمارين فوق رأس المصلوب، المعلّق بين أرض وسماء في حالة صلب وقيامة وصعود، من دون صليب.


وباختصار، نراه مسيحًا مرتفعًا على الصليب (وهو مصلوب)، ومرتفعًا عن الصليب (وهو قائم)، ومرتفعًا فوق الصليب (وهو صاعد). بهذه المعاني مجتمعة، نكرّمه ممجّدًا في موته وقيامته وصعوده. أما الصليب المختفي فأصبح صليب كلّ واحد وواحدة منا، وعلامة الانتصار.


هذا المشهد السرّي المعلّق يتحقّق أسراريًّا على المذبح الرخامي في ذبيحة القداس، حيث الآن وهنا يتواصل سرّ المسيح ذبيحةَ فداء، ووليمةً روحية لحياة العالم.


4. يتكلّم الربّ في إنجيل اليوم عن الحظيرة والباب والبوّاب والراعي والخراف والمرعى.


الحظيرة هي كنيسة المسيح التي نصبح أعضاء فيها بالمعمودية. وهي متواجدة في كنيسة الرعيّة بحجرها ومؤمنيها. الباب هو المسيح نفسه القائل: "أنا باب الخراف". إنه يدعونا للدخول من خلاله إلى كنيسته التي تعني بمفهومها اللّفظي السرياني واليوناني "جماعة المدعوّين". بما أنّ المسيح هو الحقيقة، فالبوّاب الذي يفتح لنا باب الحقيقة هو الروح القدس. عنه قال الرب يسوع "أنه يعلّمكم الحقيقة كلّها" (يو16: 13).

 

الخراف هم النفوس المفتداة التي أوكلها المسيح لكنيسته بشخص بطرس الرسول: "إرعَ خرافي" (يو21: 15) وهم يسوع نفسه، إذ عنه تنبّأ أشعيا: "كحَمَل سيق إلى الذبح ولم يفتح فاه" (أش53: 7). وله شهد يوحنا المعمدان: "هوذا حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم" (يو1: 29). المرعى هو كلام الله الذي يغذِّي العقول، وجسد الربّ ودمه الذي يحيي القلوب، والروح القدس الذي يمنح الحياة الجديدة. راعي الخراف هو يسوع المسمّي نفسه "الراعي الصالح" الذي يعرف خرافه ويناديها بأسمائها، وهي تعرف صوته، والذي يبذل نفسه في سبيلها، ويعتني بها ولاسيّما بالضعيفة منها والمريضة، ويحميها كلّها من الذئاب الخاطفة. هو "الراعي الصالح"، لأنه يوجد رعاة غير صالحين يرعون أنفسهم لا الخراف (راجع حز34: 2-4)، ويبدّدونها، ويهملونها، ويتركونها فريسة للذئاب.


5. تلبس كنيسة مار الياس الكبرى الرعائيّة حلّتها الجديدة، من أجل حسن تحقيق هذه المشهديّة الإنجيليّة. إليها ندخل، كما إلى أي كنيسة رعائيّة. "ندخل عبر بابها" الذي هو المسيح، ما يعني أنّنا نسير معه نحو ينابيع الحياة المتوفّرة على المذبح، ونوجّه أفكارنا في ضوء الإيمان، ونضع وراءنا كلّ الهموم والانشغالات، وننبسط نحو آفاق جديدة يفتحها أمامنا الربّ، ويهدينا إليها الروح. ونعود "فنخرج من بابه" لكي نجسّد بالأعمال إيماننا وإنساننا الجديد، كما يدعونا الرب يسوع: "فليضئ نوركم امام الناس ليروا أعمالكم الصالحة، ويمجّدوا أباكم الذي في السماوات" (متى 5: 16). بهذا المعنى قال القديس فيليب NERI: "عندما ينتهي قداس المسيح في الكنيسة ونذهب، يبدأ قداسنا نحن في العائلة والمجتمع والدولة".


 6. الكنيسة هي أيقونة الدولة ومرآتها. فعليها تنطبق العناصر الروحيّة والراعويّة الخاصّة بالكنيسة، إنّما بمفهومها المادّي والثقافي والسياسي والوطني. السلطة السياسيّة في الدولة هي الباب الذي يدخل من خلاله المواطنون ليجدوا في دولتهم كلّ ما يحتاجون إليه من أجل حياتهم وحياة عائلاتهم بالشكل الكافي واللائق، من فرص عمل وأجور وعلم وسكن وطبابة؛ وأمنٍ غذائي وشخصي وحقوقي واجتماعي؛ وعدالةٍ منزَّهة من الفساد المالي والرشوة، ومن تدخّل السياسيّين لدى القضاء لتغطية الظلم أو الجريمة أو المخالفة للقانون: "فالعدل أساس الملك". وإن كان لا بدّ من مكافحة للفساد، فينبغي البدء بمكافحته في الممارسة الظالمة في العدالة ومخالفتها.


7. وكما أنّ الكنيسة جامعة بحكم طبيعتها، ومنفتحة على جميع الناس والثقافات والألوان والشعوب، هكذا دولتنا مدعوّة لتحافظ على التعدّدية في الوحدة. فلا يمكن القبول بأن تنزلق نحو تقوقعات مذهبيّة أو أحاديات، ونحو خطاب طائفي. نحن في لبنان فصلنا بين الدِّين والدولة، مع المحافظة على الإجلال لله واحترام جميع الأديان. وبنينا نظامنا السياسي على العيش المشترك بين المسيحيّين والمسلمين على أساس من المساواة في الحقوق والواجبات، والمناصفة في المشاركة في الحكم والإدارة. لذا ينبغي أن يُتاحَ لكلّ لبناني، أحزبيًّا كان أم غير حزبي، حقّ المشاركة في إدارة شؤون الدولة. واليوم، في إطار السعي إلى سنّ قانون جديد للانتخابات النيابيّة، ينبغي أن يُصاغ على قاعدة هذه المبادئ، فضلًا عن أن يكون على قياس لبنان المتنوّع، لا على قياس شخص أو فئة.


إنّ جلّ ما نرجوه أن يستعيد لبنان رونق جماله في تعدّدية مكوّناته، على مثال هذه الكنيسة، التي من خلال جمالها ينعكس جمالُ الله الواحد والثالوث، له التسبيح والمجد، الآن وإلى الأبد، آمين.

*   *   *